إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
1066
زهر الآداب وثمر الألباب
لنجواه ، يتشابه حالاه ، ويتضارع قطراه ، من حيث تلقاه يستنير ، ومن حيث تنساه يستدير . [ هرب من الوباء ] وقع بالكوفة وباء ، فخرج الناس وتفرّقوا بالنجف ، فكتب شريح إلى صديق له خرج بخروج الناس : أما بعد ، فإنك بالمكان الذي أنت فيه بعين من لا يعجزه هرب ، ولا يفوته طلب ؛ وإنّ المكان الذي خلَّفت لا يعجّل لأحد حمامه « 1 » ، ولا يظلمه أيّامه ، وإنا وإياك لعلى بساط واحد ، وإن النجف من ذي قدرة لقريب . وهرب أعرابي ليلا على حمار حذارا من الطاعون ، فبينما هو سائر إذ سمع قائلا يقول : لن يسبق اللَّه على حمار ولا على ذي ميعة طيّار أو يأتي الحتف على مقدار قد يصبح اللَّه أمام الساري « 2 » فكرّ راجعا ، وقال : إذا كان اللَّه أمام الساري فلات حين مهرب . [ قتيل الحب ] قال الأصمعي : أخبرني يونس بن حبيب قال : أتى قوم إلى ابن عباس بفتى محمول ضعفا ، فقالوا : استشف لهذا الغلام ، فنظر إلى فتى حلو الوجه ، عارى العظام ؛ فقال له : ما بك ؟ فقال : بنا من جوى الشوق المبرّح لوعة تكاد لها نفس الشفيق تذوب « 3 » ولكنما أبقى حشاشة ما نرى على ما به عود هناك صليب « 4 » فقال ابن عبّاس : أرأيتم وجها أعتق ، ولسانا أذلق ، وعودا أصلب ، وهوى أغلب ، مما رأيتم اليوم ؟ هذا قتيل الحبّ ، لا قود ولادية !
--> « 1 » الحمام - بكسر الحاء - الموت « 2 » الحتف : الهلاك ( م ) « 3 » الجوى : الحزن ، والمبرح : البالغ الشدة في الإجهاد ، واللوعة : الحسرة ( م ) « 4 » الحشاشة - بضم الحاء - بقية الروح في الجسد ، و « عود » هو فاعل « أبقى » ( م )